النويري

195

نهاية الأرب في فنون الأدب

في الفضاء ، وطالبت أرواحهم الكافرة بدين دينها وأسرفت في الاقتضاء ؛ وحصدت منهم سيوفنا المنصورة ما يخرج عن وصف الواصف ، ومزّقت بقيّتهم في الفلوات فكانوا كرماد اشتدّت به الرّيح في يوم عاصف ؛ وأحاطت بهم كتائبنا المنصورة فلم ينج إلا من لا يؤبه له من فريقهم ، وقسمتهم جيوشنا المؤيّدة من الفلوات إلى الفرات بين القتل والأسر ، فلم يخرج عن تلك القسمة غير غريقهم ؛ وأعقبتهم تلك الكسرة أن هلك طاغيتهم أسفا وحسره ، وحزنا على من قتل من تلك المقاتلة ، وأسر من تلك الأسره ، وأماته الرّعب من جيوشنا المنصورة فجاءه ، واستولى عليه الوجل فجاءه من أمر اللَّه ما جاءه ؛ وقعد أخوه بعده مكانه ، والخوف من عساكرنا يضعضع أركانه ، والفرق من جيوشنا يفرّق أعوانه ، ويمزّق إخوانه ، ويوهى سلطانه ويبرّئ منه شيطانه ؛ فلاذ بالالتجاء إلى سلمنا ، وعاذ بإسناد الرجاء إلى كفّنا عنه وحلمنا ؛ فكرّر رسله ورسائله مستعطفا ، ووالى كتبه ووسائله مستعفيا من حربنا ومستسعفا ؛ وهاهو الآن وجنوده يتوسّلون بالخضوع إلى مراحمنا ، ويتوصّلون ببذل الطاعة إلى مكارمنا ؛ ويسألون صفح الصّفاح الإسلاميّة عن رقابهم ، ويبدون ما أظهره اللَّه عليهم من الذلّ الذي جعلته تلك النّصرة خالدا في أعقابهم ؛ وسيوفنا تأبى قبول وسائلهم ، وتصرّ على نهز سائلهم ، وتمنع من الكفّ عن مقاتلهم ، وتأنف أن تغمد إلَّا في قمم محاربهم ومقاتلهم ؛ ونحن على ما نحن من الأهبة لغزوهم في عقر دارهم ، وانتزاع مواطن الخلافة وغيرها من ممالك الإسلام من بين نيوبهم وأظفارهم ؛ مستنصرين باللَّه على من بقي في خطَّ « 1 » المشرق منهم ، قائمين فيهم بفرض الجهاد الذي لولا دفاع اللَّه به لم يمتنع خطَّ المغرب عنهم ؛ « ولينصرنّ اللَّه من ينصره » ، ولو عددنا نعم اللَّه علينا حاولنا عدّ ما لا نحصيه ولا نحصره .

--> « 1 » الخط بالضم : موضع الحىّ .